عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
119
اللباب في علوم الكتاب
فصل في شرب المؤمنين من ساق الشجرة قال السّدّيّ في هذه الآية : إنّ أهل الجنة إذا سيقوا إلى الجنة وجدوا عند بابها شجرة في أصل ساقها عينان فيشربوا من أحديهما ، فينزع ما في صدورهم من غلّ ، وهو الشّراب الطّهور ، ويغتسلوا من الأخرى ، فجرت عليهم نضرة النّعيم فلم يشقوا ، ولم يسجنوا بعدها أبدا « 1 » . وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا أي : إلى هذا يعني طريق الجنة . وقال سفيان الثّوريّ : « معناه هدانا لعمل هذا ثوابه » . قوله تعالى : وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ قرأ الجماعة : « وما كنّا » بواو ، وكذلك هي في مصاحف الأمصار غير « الشّام » وفيها وجهان : أظهرهما : أنّها « واو » الاستئناف ، والجملة بعدها مستأنفة . والثاني : أنّها حاليّة . وقرأ ابن عامر « 2 » « ما كنا » بدون واو ، [ و ] الجملة على ما تقدّم من احتمال الاستئناف والحال ، وهي في مصحف الشّاميين كذا ، فقد قرأ كلّ بما في مصحفه . ووجه قراءة ابن عامر أنّ قوله : وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا اللَّهُ جار مجرى التّفسير لقوله : « هَدانا لِهذا » ، فلما كان أحدهما غير الآخر ؛ وجب حذف الحرف العاطف . قوله : لَوْ لا أَنْ هَدانَا اللَّهُ « أن » وما في حيزها في محلّ رفع بالابتداء ، والخبر محذوف على ما تقرّر ، وجواب « لولا » مدلول عليه بقوله : « وما كنّا » تقديره : لولا هدايته لنا موجودة لشقينا ، أو ما كنا مهتدين . فصل في الدلالة في الآية دلّت هذه الآية على أنّ المهتدي من هداه اللّه ، وإن لم يهده اللّه لم يهتد . ثم نقول : مذهب المعتزلة « 3 » أنّ كلّ ما فعله اللّه في حقّ الأنبياء ، والأولياء من أنواع الهداية والإرشاد فقد فعله في حقّ جميع الكفّار والفسّاق ، وإنّما حصل الامتياز بين المؤمن والكافر ، والمحقّ والمبطل بسعي نفسه واختيار نفسه ، فكان يجب عليه أن يحمد نفسه ؛ لأنه هو الذي حصل لنفسه الإيمان ، وهو الذي أوصل نفسه إلى درجات الجنان ، وخلّصها من
--> ( 1 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 5 / 493 ) وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 3 / 158 ) وزاد نسبته لابن أبي حاتم وأبي الشيخ . ( 2 ) ينظر : السبعة 280 ، والحجة 4 / 25 ، والعنوان 95 ، وشرح الطيبة 4 / 295 ، وشرح شعلة 389 ، وإتحاف 2 / 49 . ( 3 ) ينظر : تفسير الرازي 14 / 7 د .